بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

تاريخ المكتبات العامة في مصر


تاريخ المكتبات العامة فى مصر
الجزء الأول
*************
المصدر:
     مرافق المعلومات العامة والمتخصصة والقومية والحديثة/ نصار رمضان عمر. كفر الشيخ: مركز زاهر، 2017.
      ورد فى صدر الإعلان العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو ) حول المكتبات العامة عام 1994 م ما يلى : -
 " المكتبــات العامة البوابة المحلية إلى المعرفة ، وهى شرط أساسى للتعليم الدائم ، واتخاذ القرارات المستقــلة ، والتطــــور الثقـــافى مــن خلال المجموعات الفردية والاجتماعية ".
إن الناظر إلى تاريخ المكتبات العامة فى مصر يجده يعود إلى أقدم العصور، فالمكتبة قيمة أصيلة عند المصريين منذ القدم ، ففى مصر القديمة عُرفت المكتبة العامة منذ بداية توحيد البلاد على يد الملك مينا عام 3200 ق.م ، حيث يرجح أن أول مكتبة مصرية معروفة قد بنيت فى مدينة منف ، وكان يطالع زوارها عند الدخول عبارة " فيها أدوية للنفـس " وهذا يدل على أن المصريين – آنذاك – كانوا مؤمنين بما للمكتبات من أثر فى علاج وتهــذيب نفــس كــل مــن يرتادها ويستفيد منها ، أما عن أشهر مكتبات مصر فى العصور القديمة فإنها مكتبة الإسكندرية التى أسسها بطليموس الأول مؤسس دولة البطالمة فى مصر ، حيث كانت أول مكتبة حكومية عامة عرفها العالم القديم ، ولم تقتصر خدماتــها عــلى المصــريين فقط ، بل فتحت أبوابها لطلبة العلم والباحثين من كل مكان ، حتى غدت الإسكندرية آنذاك قبلة العلم والثقافة .
وفى العصر الإسلامى ، ومع اهتمام المسلمين بالعلم والمعرفة ، وازدهار الحضارة الإسلامية ، ازدهرت حركة المكتبــات فى مصــر ، ولاســيما المكتبات العامة : كمكتبة دار الحكمة التى أقامها الحاكم بأمر الله بالقاهرة ؛ لتنافس مكتبة بيت الحكمة ببغداد ، وبيت الحكمة بالأندلس ، وكذلك مكتبة الأزهر الشريف التى بدأت لبناتها الأولى منذ عهد المعز لدين الله الفاطمى ، كما ظهرت العديد من المكتبات بالمساجد والقصور التى كانت تفتح أبوابها أمام المستفيدين من كل مكان .
ومع بزوغ فجر العصر الحديث ، تشهد مصـــر نهضة كبرى فى إنشاء المكتبات ، وتأهيل العاملين بها ؛ ففى أواخر القرن التاسع عشر يشهد تأسيس الكتبخانة الخديوية ( دار الكتب المصرية حالياً ) وذلك فى مارس 1870م ، فى عهد الخديوى إسماعيل ، وتعد هذه المكتبة نقطة البدء الأولى فى مسيرة المكتبات العامة الحديثة فى مصر ، ويرجع الفضل فى إنجازها إلى على مبارك ؛ الذى جمع الكتب والمخطوطات من المساجد وخزائن الأوقاف لتأسيسها .
ولم يمض عقدان على دار الكتب المصرية ، إلا وتشهد الإسكندرية ميلاد أولى مكتباتها العامة ، ألا وهى مكتبة بلديـة الإسكندرية ( مكتبة محافظة الإسكندرية حالياً) عام 1889 م والتى بدأت فى تقديم خدماتها منذ عام 1892 م .
وفى عام 1897 م تشــهد مصر تأسيس مكتبة الأزهر الشريف بالقاهرة ، والتى تعد من أكبر المكتبات المصرية (128500 كتاباً بما فيها 42000 مخطوطاً ) ، ورغم أن هذه المكتبة تعود إلى العصر الفاطمى ، إلا أن المكتبة القديمة قد تعرضت للكثير من عمليات النهب والتخريب ، خاصة أثناء الحملة الفرنسية التى نهبت الكثير من مقتنياتها ، بعد أن اقتحم جنود الحملة الجامع الأزهر بالخيول ، وهذا ما جعل الإمام محمد عبده - مفتى الديار المصرية آنذاك - يصدر الأمر بإنشاء المكتبة الحديثة للأزهر عام 1897 م .
ومع بداية القرن العشـرين بدأت حركة المكتبات العامة فى الانطلاق خارج مدينة القاهرة ، حيث تم إنشاء العديد من المكتبات العامة بالمدن والمحافظات المصرية ، والتى كانت تتبع مجالس البلديات فى المدن ، مع تبعية عدد غير قليل منها لمجالس المديريات ، أما فى القرى فقد كانت هناك مكتبات الوحدات المجمعة التى اندثرت حالياً ، أو انتقلت ملكيتها لهيئات أخرى كوزارة الثقافة .
ومن أهم مكتبات هذه الفترة مكتبة دار الكتب العامة بطنطا بمحافظة الغربية (1913) ومكتبة دار الكتب العامة بالمنصورة ( 1918 ) ومكتبة مجلس بلدية شبين الكوم – المكتبة العامة حالياً – بمحافظة المنوفية ( 1927 ) والمكتبة العامة بدمنهور ( 1930 ) ومكتبة نادى الكتاب بالإسكندرية ( 1931 ) ومكتبة رفاعة رافع الطهطاوى العامة بمحافظة سوهاج ( 1932) ومكتبة بلدية المحلة ( 1932 ) ومكتبة المدينة بالفيوم ( 1936 ) .
وفى أربعينيات القرن العشرين كانت هناك طفرة كبيرة فى إنشاء المكتبات العامة فى مصر ، فقد تم إنشاء دار الكتب العامة بالشرقية (1942) والمكتبة العامة بمحافظة المنـيا ( 1947 ) وإلى جانب هذه المكتبات هناك بعض المكتبات التى ألحقت بعد ذلك بقصور وبيوت الثقافة ، ولكن تاريخ إنشائها يعود إلى تلك الحقبة مثل مكتبات قصر ثقافة سوهاج ( 1946 ) والمنصورة ودمياط ( 1947 ) وأسيوط والفيوم وطنطا والمنيا ( 1948 ) .
وفى مايو 1948م بدأت دار الكتب المصرية فى إقامة فروع لها فى أحياء القاهرة المختلفة ، وكانت البداية بفرعى شبرا والبارودى ( 1948 ) ثم فرعى الزيتون وحلوان ( 1949 ) ثم فرع الخليفة ( 1950) ثم فرعى الروضة والمنيرة ( 1952 ) ثم فرع حدائق القبة ( 1963 ) ثم فرع التحرير ( 1964 ) ثم فرع منشية البكرى    ( 1965 ) .
ولم يتوقف إنشاء فروع دار الكتب على مدينة القاهرة ، بل تم افتتاح فروع لها بالمدن والمحافظات المختلفة مثل : المكتبة العامة لمجلس مدينة ديروط بمحافظة أسيوط التى افتتحت عام 1973م .
ولم يقتصر دور إنشاء المكتبات العامة فى مصر على البلديات (الإدارة المحلية حالياً) وفروع دار الكتب ، بل بدأت عدة هيئات فى المساهمة فى إنشاء العديد من المكتبات العامة ، ففى عام 1960م بدأت وزارة التربية والتعليم فى توسيع خدمات مكتبات المديريات التعليمية  بإتاحة الفرصة للجمهور العام من غير العاملين بالتربية والتعليم ؛ للاستفادة من خدمات هذه المكتبات ، سواء بالإطلاع على مجموعاتها ، أو بالإعارة الخارجية منها ، كنوع من الخدمات الإضافية للمناطق التى تقع فيها ، خاصة فى المناطق التى لا توجد بها مكتبات عامة ، وفى ذلك تشابه لحد ما مع مشروع المكتبة المدرسية فى خدمة المجتمع الذى اعتمدته وزارة التربية والتعليم منذ عام 1998م فى بعض مكتباتها المدرسية تحت رعاية السيدة سوزان مبارك ، ويتمثل هذه المشروع فى فتح المكتبات المدرسية أبوابها لأهالى المنطقة للاستفادة من خدماتها ومجموعاتها بعد انتهاء اليوم الدراسى .
وفى عام 1966م تبدأ وزارة الثقافة فى المشاركة فى إنشاء العديد من المكتبات العامة ، من خلال قصور الثقافة بالمدن ، وبيوت الثقافة بالقرى والأحياء الشعبية ، والتى نصت تنظيماتها على ضرورة أن تضم مكتبة تؤدى خدمة عامة للجماهير ، سواء ممن يعيشون فى هذه المنطقة التى توجد بها هذه المواقع ، أو ممن يفدون إليها من أية مناطق أخرى حولها ، وإلى جانب هذه المكتبات قامت مديريات الثقافة بالمحافظات المختلفة بإنشاء بعض المكتبات العامة القائمة بذاتها فى القرى التى لا توجد بها مواقع ثقافية ( قصور أو بيوت الثقافة ) .
والناظر إلى مكتبات قصور وبيوت الثقافة يجد أن خدماتها المكتبية لم تكن بالصورة الكاملة ، أو المفهوم المعروف للمكتبة ، حيث اهتمت مديريات الثقافة بتقديم خدمات وأنشطة غير الخدمات المكتبية رأت أنها أكثر تأثيراً فى الجماهير من المكتبة ، فاهتمت على سبيل المثال بالمسرح والسينما والفنون التشكيلية ، كما أن هــــذه المكتبـــات افتقــرت للمقومات الأساسية للمكتبة ؛ كالمجموعات المناسبة المتنوعة ، والمكتبى المؤهل أو المدرب على تنظيم وتقديم الخدمات المكتبية ، ولم يقف القصور عند هذا الحد بل تم الاستيلاء على قاعات بعض المكتبات العامة ببعض قصور الثقافة لتقديم الأنشطة الأخرى بداخلها ، كما حدث بقصر ثقافة الزقازيق.
وفى مطلع عام 1970م بدأت حركة تنظيـم المكتبات العامة ، وإنشاء المكتبات المركزية ، ولقد استهدفت هذه الحركة إعادة تنظيم المكتبات العامة على مستوى الجمهورية  ( ماعدا التابع منها لوزارة الثقافة ) بجعلها تابعة لدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة ، على أن تتم إدارة هذه المكتبات من خلال مراقب عام على المكتبات العامة ؛ وهو المسئول عن التخطيط والرقابة على المكتبات العامة فى مصر ، وإلى جانبه توجد أربع مراقبات تختص كل منها بإقليم معين ؛ الأولى للقاهرة ، والثانية للإسكندرية ، والثالثة للوجه البحرى ، والرابعة للوجه القبلى .
وفى أواخر سبعينات القرن العشرين بدأت وزارة الشئون الاجتماعية فى الاهتمام بتقديم الخدمات المكتبية العامة ، من خلال جمعياتها المختلفة ، كجمعية الرعاية المتكاملة التى تأسست رسمياً عام 1978م ، والتى عملت على إقامة العديد من المكتبات العامة ، وتطوير الكثير من المكتبات المدرسية ، وتوفير الكثير من المكتبات المتنقلة لتوصيل الخدمات المكتبيـــــة للمناطق النائية ، والمحرومة من الخدمة المكتبية العامة ، ولقد قلدت هذه الجمعية عدة جمعيات أخرى بعد ذلك ، مثل : جمعية الهلال الأحمر المصرى ، وجمعية الشبان المسلمين ، وجمعية مصر الجديدة ، وجمعيات تنمية المجتمع المحــــــلى ، وغيرها من الجمعيات .
وفى أواخر ثمانينات القرن العشرين بدأت مشاركة مديريات الشباب والرياضة فى مجال الاهتمام بتقديم الخدمات المكتبية العامة ، من خلال بعض مراكز الشباب والأندية التابعة لها بالقرى والمدن ، إلا أن هذه المكتبات بات شأن خدماتها شأن الخدمات المكتبية بالمواقع الثقافية التابعة لوزارة الثقافة ؛ حيث كانت عبارة عن حجرة صغيرة فى الكثير من المــــــراكز ، أو بعض الأرفف التى تضم مجموعة صغيرة من الكتب والمجلات الرياضية .
ومع مفتتح تسعينات القرن العشرين تشهد مصر طفرة كبيرة فى مجال الاهتمام بالمكتبات العامة ، حيث تم إنشاء العديد من المكتبات العامة الجديدة ؛ مثل مكتبة مبارك العامة بالجيزة ( مكتبة مصر العامة حالياً ) وفروعها المنتشرة على مستوى الجمهورية ، ومكتبة القاهرة الكبرى ، ومكتبة الجيزة العامة ، ومكتبة طلعت حرب ، ومكتبة المستقبل ، ومكتبة مصر الجديدة وغيرها من المكتبات ، ولقد اهتمت هذه المكتبات بالاعتماد على الأساليب الحديثة فى إدارة المكتبات ، كما اعتمدت على مستحدثات التكنولوجيا الحديثة وأوعية المعلومات الحديثة ، إلى جانب العنصر البشرى المؤهل ، كما حظيت هذه المكتبات بدعم الهيئات القومية والخاصة والأجنبية لها ، وفى ذات الوقت شهد هذا العقد حركة كبيرة لتطوير وتجديد العديد من المكتبات القائمة ، خاصة تلك المكتبات التابعة لدار الكتب المصرية ، ومما ساعد على هذه النهضة تبنى السيدة سوزان مبارك حرم السيد رئيس الجمهورية الأسبق لمشروع القراءة للجميع منذ عام 1991م إلى عام 2010م .
هذا ، ولقد كان من أهــــــم ثمــار هذا المشروع تشجع الكثير من الهيئات : كالشباب والرياضة ، والشئون الاجتماعية ، والتربية والتعليم ، والثقافة ، والإدارة المحلية للمشاركة فى تشجيع القراءة وتطوير مكتباتها ، وفتحها أمام أبناء المنطقة التى تقع بها ؛ للاستفادة من مقتنياتها وأنشطتها المختلفة ، كما شاركت وزارة الإعلام فى هذا النشاط وأقامت مكتبات عامة بمراكزها الإعلامية المنتشرة فى المحافظات المصرية ، ليفوز الشعـب المصرى بشكلٍ جديدٍ من المكتبات العامة ، ألا وهو مكتبات مراكز الإعلام .
ومع بداية الألفية الثالثة تستمر الحركة المكتـــــبية فى التطور والازدهار ، ويتوج هذا الازدهار بافتتاح مكتبة الإسكندرية الجديدة فى 16/10/2002م ، كما تبدأ مصر مرحلة جديدة من الاهتمام بالمكتبات العامة ، تتمثل فى إقامة مكتبات عامة كبيرة فى كل محافظة مصرية ، تكون بمثابة المكتبة الرئيسية للمحافظة ، إلى جانب المكتبات القائمة بالفعل ، ولقد ارتبطت هذه المكتبات بمكتبة مبارك العامة بالجيزة لتكون على غرارها ، ومن هذه المكتبات على سبيل المثال : مكتبة مبارك العامة بالوادى الجديد ( 2003 ) ومكتبة مبارك العامة ببورسعيد ( 2004 ) ومكتبة مبارك العامة بالمنصورة ( 2005 ) ومكتبة مبارك العامة بالغردقة ( 2005 ) ومكتبة مبارك العامة بدمياط ( 2005 ) ومكتبة مبارك العامة بالمنيا ( 2005 ) وغيرها بالاسماعيلية والسويس والقليوبية ودمنهور ... والتى تحولت بعد ثورة 25 يناير إلى أسماء المدن التى تقع بها.
هذا ، ويمكن تتبع حركة التطور التاريخى للمكتبات العامة فى مصر من خلال تاريخ إنشائها بدليل المكتبات المصرية ، فقد أورد دليل المكتبات المصرية فى طبعته الثالثة نحو 1096 مكتبة عامة على مستوى الجمهورية ، ذكر تاريخ إنشاء 841 مكتبة منها ، بنسبة مئوية بلغت 76.7 % من إجمالى المكتبات العامة التى رصدها ، ولقد لاحظ الباحث أن المكتبات التى لم يذكر الدليل تاريخ إنشائها معظمها عبارة عن مكتبات مساجد وأندية ، ومن الراجح أن هذه المكتبات قد بدأت صغيرة ، ولم يهتم أحد بتسجيل تاريخ إنشائها ، وعندما بدأ مركز المعلومات فى حصر المكتبات كان من الصعب معرفة تاريخ إنشائها ، وإلى جانب ذلك فمعظم العاملين بهذه المكتبات لم يكونوا موجودين عند إنشائها ، فمعظمها بدأت بلا مشرفين عليها ، ولذلك كان من الصعب أو لم يستطيعوا معرفة تاريخ إنشائها.
تلك كانت نظرة عامة عن تاريخ المكتبات العامة في مصر، وفي الجزء الثاني سوف نتناول خريطة المكتبات العامة في مصر فإلى اللقاء.