بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 30 أكتوبر 2017

المعاجم اللغوية ... أوعية الفكر اللغوي:

من مقالاتي التي نشرتها بمجلة المعرفة (السعودية) وهي عبارة عن دراسة عن ماهية المعاجم وأنواعها، ثم دراسة مقارنة عن تناول الدراسات اللغوية والمكتبية لها، وهذه بياناتها:

    نصار رمضان عمر.  المعاجم اللغوية : أوعية الفكـر اللغـوى .- المعـرفة .- ع 139 ( سبتمبر ، 2006 ) .- ص 88 – 91 .

            المعاجم اللغوية أو القواميس من أهم المراجع التي يرجع إليها كل إنسان، سواء أكان هذا الإنسان من دارسي اللغة أم من ذوي الدراسات المختلفة، وذلك لأننا جميعًا نصادف الكثير من المصطلحات والكلمات التي لا نعرف مدلولها، ومن ثم نضطر لاستشارة المعجم لإزالة ما استعجم علينا.
     وكلمة المعجم هي المقابل العربي لكلمة «Dictionary» الإنجليزية من «Dictio» اللاتينية، وتعني الكلمة أو العبارة. ولقد عرف «المعجم الوسيط» المعجم بأنه «عبارة عن كتاب لمفردات اللغة مرتب على حروف الهجاء، وجمعه: معجمات ومعاجم». ولقد استخدمت كلمة «قاموس» عنوانًا لأحد المعاجم العربية القديمة وهو «القاموس المحيط»، ثم أصبحت الكلمة علمًا على هذه الفئة من الأوعية المرجعية إلى جانب كلمة معجم. كما عرّف معجم «Oxford» المعجم بأنه «الكتاب الذي يتناول مفردات لغة ما»، حيث يبين طريقة كتابة هذه المفردات، وطريقة نطقها، ومعانيها، واستخداماتها ومترادفاتها، واشتقاقاتها، وتاريخها».
     وتتلخص أهمية المعاجم في التعرف على المفردات من حيث: طريقة كتابتها، وطريقة النطق بها، ومترادفاتها، وجمعها، ومقابلاتها، واشتقاقها، وتاريخها، واستخداماتها. وقد يجمع المعجم كافة هذه الجوانب، أويركز على بعضها دون الأخرى وفقًا للسياسة التي وضعها له القائمون على إعداده. وعلى كل فالمعاجم اللغوية تنقسم إلى فئتين رئيستين هما: المعاجم أحادية اللغة، والمعاجم متعددة اللغات (أو معاجم الترجمة).
1- المعاجم أحادية اللغة:
    وتتمثل هذه الفئة في المعاجم التي تتناول مفردات لغة واحدة، وتقوم بشرحها وبيان مدلولاتها بنفس ألفاظ اللغة، وتنقسم هذه الفئة بدورها إلى عدة أشكال، منها:
- معجم المفردات: وهو الذي يورد مفردات اللغة وفقًا لترتيب هجائي معين (مثل طريقة القافية أي ترتيب المفردات بعد تجريدها من حروف الزيادة وفقًا للحرف الأخير، ومن أمثلتها لسان العرب لابن منظور، أو ترتيب المفردات وفقًا للحرف الأول مثل المعجم الوسيط)، ثم يقوم بشرح وتفسير كل مفردة وفقًا للسياسة التي وضعها معدوه، ومن أمثلة هذا النوع: القاموس المحيط، وتاج العروس، والصحاح، والمنجد، ومعجم Oxford.
- معاجم النطق: وتهتم هذه النوعية ببيان طريقة نطق المفردات وخاصة أسماء الأعلام، ومن أمثلتها: «إصلاح النطق» لابن السكيت الذي يتناول علاج أخطاء النطق، والتمييز بين الألفاظ المتشابهة في النطق، والألفاظ متفقة الوزن مختلفة المعاني، وكذلك الألفاظ مختلفة الأوزان متفقة المعنى.
- معاجم النصوص: تقتصر هذه النوعية على المفردات الواردة بكتاب معين أو في أعمال مؤلف معين، وهي بمثابة كشافات شاملة لهذه النصوص. وتكتسب هذه النوعية أهمية خاصة مع تطور دراسة البلاغة والأسلوب، واستعمال الحاسب الآلي في تحليل النصوص وإحصاء الظواهر اللغوية، ومن أمثلتها «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم» لمحمد فؤاد عبدالباقي.
معاجم المعاني: وهي التي تهتم بالأفكار والمفاهيم وتعتبرها الأساس الذي تدور حوله المعالجة. فإذا كنا نلجأ لمعاجم المفردات للبحث عن معاني كلمة معينة، فإننا نلجأ لمعالجم المعاني للبحث عن أنسب الكلمات للتعبير عن أفكار أو معان معينة. فعلى سبيل المثال إذا كنا نكتب موضوعًا عن الملابس، فإننا سنجد في هذه المعالجم كافة الكلمات التي تدور حول موضوع الملابس وأنواعها. ومن أمثلة هذه المعاجم: «فقه اللغة وسر العربية» للثعالبي، و«المخصص» لابن سيدة، و«جواهر الألفاظ» لقدامة بن جعفر.
معاجم الألفاظ العامية: ظهر هذا النوع من أجل الحفاظ على سلامة اللغة من الألفاظ العامية، وهذه الألفاظ تختلف من مكان لآخر وفقًا للموروثات الثقافية واللغوية لسكان كل منطقة، ومن أمثلتها «معجم الألفاظ اللغوية في اللهجة اللبنانية» لأنيس فريحة.
معاجم الدخيل والمستعار: ظهرت هذه المعاجم نتيجة اختلاط الثقافات واللغات مع بعضها، ولذلك اهتمت هذه النوعية ببيان المفردات الدخيلة على اللغة العربية من حيث بيان أصلها وتعزيز ذلك بشواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف وأشعار وكلام العرب الثقاة، ومن أمثلة هذه المعاجم: كتاب «شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل» لشهاب الدين الخافجي.
معاجم الألفاظ المهجورة: وتهتم هذه النوعية بغربلة مفردات اللغة وبيان ما هو مستخدم مما هو مهجور، ولا يوجد في اللغة العربية من هذه النوعية أمثلة حتى الآن، ومنها في الإنجليزية «Supplementary English glossary/ By: James orchard Halliwell-Philips».
المعاجم المعيارية: وهي المعاجم التي تشتمل على مجموعة من المفردات لتناسب مستوى نمو أو دراسي معين. ومن أمثلة هذه المعاجم ما أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة من ثلاثة معاجم بمستويات مختلفة هي: «المعجم الكبير» و«المعجم الوسيط» و«المعجم الوجيز».
معاجم المختصرات والأسماء الاستهلالية: ظهرت هذه النوعية من المعاجم نتيجة قيام الكثير من الكتابات في المجالات المختلفة باستخدام الكثير من الرموز والمختصرات والأسماء الاستهلالية، مثل كتابة «ج.م.ع» لتدل على جمهورية مصر العربية، وكتابة «USA» لتدل على الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه المعاجم نجدها في اللغات الأجنبية كثيرة مثل: «Abbreviations Dictionary/ by: Ralph De-Solla».
معاجم أخرى: وإلى جانب الأشكال السابقة توجد عدة أشكال أخرى مثل: «معاجم الأخطاء الشائعة»، و«معاجم القوافي»، و«معاجم الكلمات الجديدة»، و«معاجم مشتقات الألفاظ»، و«معاجم المصطلحات».
2- المعاجم متعددة اللغات:
    ويطلق على هذه الفئة معاجم الترجمة، حيث تشتمل على مفردات إحدى اللغات وما يقابلها بواحدة أو أكثر من اللغات الأخرى. ولربما جاءت هذه المعاجم عامة شاملة التغطية مثل: قاموس «المورد» لمنير بعلبكي، و«القاموس العصري» لإلياس أنطون إلياس. 
    وقد تركز المعاجم متعددة اللغات على مفردات مجال معين تتخصص فيه مثل: «قاموس البنهاوي الموسوعي في المكتبات والمعلومات» للدكتور شعبان خليفة، و«المعجم القانوني» لحارث سليمان الفاروقي.

المعاجم اللغوية في الدراسات اللغوية:


    يعد علماء اللغة أول من عرفوا واستخدموا المعاجم، بل هم الذين اهتموا بإعدادها، وعكفوا على دراستها من خلال مناهج مختلفة، على اعتبارها جزءًا من تراث الفكر اللغوي. ويتلخص منهج اللغويين في دراسة المعاجم (إجمالاً دون الخوض في تفسيرات لهذا المنهج، لأننا لسنا في سبيل عرض المناهج وتحقيقها وتحليلها ونقدها) في النقاط الآتية:
- التعريف بالمعجم والقائمين على إعداده، ومدى كفاءتهم في ذلك المجال.
- التعرف على الهدف الأساسي من إخراجه.
- التعرف على المنهج المتبع في جمع المادة اللغوية، ومذهب ومدرسة المؤلف اللغوية، وأثر ذلك على عرض مفردات اللغة بالمعجم.
- التعرف على أهم المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في جمع المفردات وبيان مدلولاتها، والعمل على التحقق من مصداقية هذه المصادر.
- التحقق من مدى التزام المؤلف بالمنهج الذي ساقه لنفسه في إعداد المعجم.
- التعرف على طريقة تنظيم المعجم وأثر ذلك على استخدامه.
- وصف حواشي ومقدمات وفهارس المعجم، والتعرف على أثرها على المعجم ومكانته واستخدامه.
- التعرف على كيفية معالجة المعجم لمفردات اللغة، والتحقق من بعض مفرداته.
- دراسة الطبعات المختلفة للمعجم، والتعرف على أوجه التشابه والاختلاف بينها، وملامح تطور المعجم من خلال المقارنة بينها.
- بيان مواضع القصور والمآخذ التي أخذت عليه، وكذلك الإيجابيات التي يتميز بها.
- المقارنة بين هذا المعجم والمعاجم الأخرى.
- التعرف على أهم الدراسات التي قامت على المعجم.
     ومن الجدير بالذكر أن تلك الجوانب قد يركز بعض اللغويين على بعضها، ويتركون البعض الآخر.

المعاجم اللغوية في الدراسات المكتبية:


    ينظر أصحاب الدراسات المكتبية واختصاصيو المكتبات إلى المعاجم على أنها نوع من المواد المرجعية، تلك المواد التي يتم الرجوع إليها للتعرف على معلومات محددة دون قراءتها من أولها لآخرها.
    ويعرف المخصصون في المكتبات المعاجم على أنها الأوعية التي وضعت لتستشار عن ماهية مفردات لغوية معينة، سواء كان هذا التعرف على مرادفات الكلمة أو ضدها أو جمعها أو مقابلها في اللغات الأخرى، أو طريقة النطق بها.
    هذا، ويدرسها اختصاصي المراجع من خلال المنهج الخماسي لتقييم المراجع، والذي يساعده على تحديد واختيار المعجم المناسب لكل مستفيد. ويتلخص هذا المنهج في:
1- التعرف على مسؤولية إعداد المعجم (أي التعرف على المؤلف والناشر أو الطابع، ومدى كفاءة كل منهم في إعداد المعاجم).
2- التعرف على سعة المعجم من خلال:
   - السعة الكمية: أي التعرف على كمية المفردات التي يشملها المعجم، وهل هو شامل لمفردات اللغة أم يشمل بعض المفردات لتتناسب مع مرحلة عمرية معينة كالمعجم المدرسي.
   - السعة الزمنية: أي معرفة الحد الزمني الذي وضعه القائمون على إعداد المعجم لجمع المفردات، ومن ثم معرفة مدى شمول المعجم على المفردات الجديدة، وما أقرته مجامع اللغة خلال فترة معينة.
   - السعة المكانية: ومن خلالها نتعرف على مدى حرص القائمين على إعداد المعجم على جمع المفردات من كافة البيئات والمناطق، أم أنهم ركزوا على منطقة أو مناطق معينة فقط، ومن ثم يحدد المستخدم مدى صلاحية المعجم لبيان ماهية المفردات التي يريدها أم أنه يركز على مفردات منطقة أو دولة أو لهجة معينة.
   - السعة النوعية: ومن خلالها نتعرف على مستوى المعجم، وهل هو معجم للطلبة أم للباحثين، وكذلك معرفة هل هو أحادي اللغة أم متعدد اللغات وما هي هذه الفئات التي يتناولها.
3- التعرف على طريقة معالجة المعجم للمفردات.
4- التعرف على طريقة تنظيم المفردات داخل المعجم، وكيفية الوصول إلى أية مفردة.
5- التعرف على الجوانب الشكلية للمعجم، من حيث التعرف على شكل المعجم (مطبوع أم إلكتروني) وحجمه وعدد الصفحات وأبناط الطباعة، وهل توجد كشافات أصبعية تساعد على الوصول السهل والسريع للحرف المطلوب.

المراجع:

1- المراجع العامة، تأليف: عبدالستار الحلوجي.
2- المكتبة والبحث، إعداد: حشمت قاسم.
3- الأوعية المرجعية، إعداد: السيد السيد النشار.
4- المصادر المرجعية المتخصصة، إعداد: محمد فتحي عبدالهادي، ونعمات سيد أحمد، وأسامة السيد محمود.
5- المكتبة العربية، تأليف: ناهد الشعراوي.
6- نصوص من مصادر التراث، إعداد: ورد محمدي عزب.
7- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
8- Oxford 

الأحد، 22 أكتوبر 2017

من مقالاتى: اختصاصي المكتبة ... دينمو المعرفة

نشرت هذه الدراسة بمجلة المعرفة (السعودية) وهذه بياناتها:


 نصــار رمضـــان عمر. اختصاصى المكتبة دينمو المعرفة .- المعرفة .- ع 141 ( يناير ، 2007 ) .- ص100- 105. 

   كان من المحبين للقراءة، أو من المفكرين والأدباء والعلماء، ثم أصبح من المؤهلين المتخصصين، وكان في بدايته يقوم بالمحافظة على ما لديه من عهدة، ثم أصبح اختصاصيًا في إدارة وتنظيم ما لديه من مقتنيات، والآن هو مستشار في تقديم المعارف والخبرات المختلفة لكل من يقصده. إنه دينمو الحياة. إنه صاحب مهنة المهن، ومستشار المتعلمين من طلبة العلم والعلماء. إنه اختصاصي المكتبة. تُرى ما حكايته؟ وما دوره في الحياة؟ ولماذا هو دينمو الحياة؟
    بداية ترتبط مهام اختصاصي المكتبة بالمكتبة التي يعمل بها. والمكتبات على أنواع عدة، منها المكتبات القومية، والعامة، والمدرسية، والجامعية، والمتخصصة، والخاصة، وكل نوع من هذه المكتبات تقدم خدماتها لفئة معينة من المستفيدين، ولا يستثنى منها سوى المكتبات العامة، فهي مكتبات الشعب وجامعته، فهي تفتح أبوابها أمام الجميع بلا تفرقة بينهم لجنس أو لدين أو لعمر أو لجانب اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي، فهي تهب العلم حرًا لكل من يقصدها، ولذلك فخدماتها تتسع لتشمل كافة الخدمات المكتبية التي تركز عليها الأنواع الأخرى من المكتبات، ولذلك سوف نتتبع تاريخ وتطور اختصاصي المكتبة من خلال هذه النوعية من المكتبات.

     وبادئ ذي بدء فقد ارتبطت المهام التي يقوم بها اختصاصيو المكتبة العامة بالخدمات المكتبية العامة، ولذلك أشار الاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات والمعلومات IFLA إلى أن المقصود من الخدمة المكتبية العامة وظائف المكتبة العامة، أو المحصلة النهائية لهذه الوظائف، وأن المقصود من مصطلح وظائف ما تقوم به المكتبة العامة فعلاً من أعمال وأنشطة تلبية لرغبات المترددين عليها.
   ولقد تطورت وظائف اختصاصي المكتبة على مر العصور مع تطور المكتبات وخدماتها، ففي العصور القديمة كانت المكتبات جزءًا من دور العبادة، مثلها في ذلك كالمدارس والمستشفيات، ولقد تمثلت طبقة العلماء في الكهنة ورجال الدين، وكان هؤلاء يحتفظون بإنتاجهم الفكري من كتب وأبحاث ودراسات في المعابد التي يعملون بها، وقاموا بتدوين هذا الإنتاج بكتابات لا يستطيع أفراد الشعب قراءتها، ومن ثم لا يستطيع أحدهم معرفة أسرارهم العلمية فينافسهم الزعامة والسيطرة على الناس، ففي مصر القديمة- على سبيل المثال- كانت الكتابة الهيروغليفية أولى الكتابات التي ابتكرها كهنة مصر العلماء ودونوا بها كتاباتهم المختلفة، وبالمثل كانت حضارات الصين والهند وبلاد الرافدين، وفي هذه الأثناء لم يتم تعيين مسؤول للمكتبة، فقد كان هؤلاء العلماء يحتفظون بإنتاجهم الفكري بالمعابد بالصورة التي تتراءى لهم، ولكل منهم مكان خاص، ومع تزايد الإنتاج الفكري بدأ يتطوع أحدهم بتنظيم مقتنيات المكتبة بصورة معينة من أجل المحافظة عليها من التلف أو الفقد، وفي نفس الوقت لم تكن المكتبة مفتوحة أمام عامة الشعب، بل اقتصرت خدماتها على فئة العلماء فقط.
    وبعد أن كانت هذه الوظيفة بالتطوع أصبحت بالتعيين، ولقد كان التركيز في البداية على اختيار أمين المكتبة من العلماء أو المفكرين أو الأدباء أو المحبين للكتب والقراءة، ففي مكتبة الإسكندرية القديمة وقع الاختيار على كاليماخوس الذي كان يعمل معلمًا إلى جانب شهرته في مجال الشعر والأدب، وعندما تولى العمل في إدارة مكتبة الإسكندرية وجد أن مقتنيات المكتبة في نمو متزايد، نتيجة حرص الملوك البطالمة على جمع التراث اليوناني والبشري من كل مكان بهذه المكتبة، حتى إن السفن التي كانت تأتي إلى ميناء الإسكندرية كان يتم تفتيشها وتفتيش من عليها بحثًا عن الكتب لتزويد المكتبة لها، لذلك فكر كاليماخوس في عمل سجل يضم كافة هذه المقتنيات، ووصف كل كتاب بعنوانه واسم مؤلفه وموضوعه وفقرات من بدايته ونهايته، وذلك من أجل حصر المقتنيات، وتسهيل تعرف العلماء وصغار العلماء من طلبة العلم المترددين على المكتبة على مقتنياتها. وعندما مات كاليماخوس ولم يكن قد انتهى من هذا العمل استكمله تلاميذه أبولونيوس وأرستاخوس.
   ولقد استمرت الفئة المسيطرة على إدارة المكتبات من العلماء والأدباء ومحبي القراءة نظرًا لارتباطهم كثيرًا بالمكتبات من أجل القراءة والاطلاع وإعداد الأبحاث والدراسات المختلفة، إلى جانب تشجيع الحكام لهم على مواصلة البحث العلمي. ففي العصر الإسلامي ظهر الكثير من المكتبات العامة، وكان من أبرزها بيت الحكمة في بغداد التي أقامها الخليفة المأمون، وبيت الحكمة في القاهرة التي أقامها الحاكم بأمر الله. ولقد حرص الخلفاء على جمع تراث الإنسانية بمكتباتهم، كما شجعوا الترجمة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، حتى إن المأمون كان يمنح كل من يقوم بترجمة أي كتاب إلى اللغة العربية وزن ورقة ذهبًا.
    هذا، ولقد استمرت وظيفة المكتبي الأساسية تقوم على الجمع والحفظ، أي جمع مقتنيات المكتبة وحفظها، حتى إن المكتبات الفرنسية- على سبيل المثال- كانت تربط الكتب بالسلاسل خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين تأكيدًا للمحافظة عليها من أية أخطار تهددها، بخاصة تعرضها للسرقة، وكان من يريد القراءة يأخذ الكتاب بسلاسله ويقرؤه ثم يعيده للخزانة كما هو. وحرص أمين المكتبة في هذه الفترة على أن تكون الكتب بعيدة (قدر المستطاع) عن أيدي الناس، حتى يتمكن فيما بعد من تسليمها عهدة لمن يأتي بعده من أمناء المكتبة، دون أن تكون الكتب قد مزقت، أو أصابها التلف من كثرة الاستخدام، أو فقدت بسبب السرقة. ولقد كان أمين المكتبة معذورًا في ذلك، حيث كانت الكتب غالية الثمن وصعبة المنال، ولا يمكن تعويضها، وكانت المكتبة لا يوجد بها سوى نسخة واحدة من كل كتاب، وكانت عبارة عن مخطوطات يتم نسخها باليد، فلم تكن الطباعة قد اخترعت بعد.
    ومع تركيز أمناء المكتبات في هذه الفترة على المحافظة على الكتب وتقديمها على حذر للمستفيدين، كان لا يهتم الكثير منهم بتنظيم مقتنيات مكتباتهم لتسهيل الاستفادة منها، ومن كان ينظم مكتبته فإنه كان ينظمها بطريقته الخاصة، نظرًا لعدم وجود قواعد وأسس لتنظيم المكتبات آنذاك، وفي نفس الوقت كان أمين المكتبة لا يحرص على بذل أي جهد لتشجيع الناس على استخدام الكتب والقراءة، بل كان يضع العراقيل أمامهم، حتى إن بعض المكتبات الأوروبية جعلت ارتياد المكتبة في أيام معينة، ومنها من اشترطت ألا يقل سن المستفيد عن 21 عامًا، وأن يكون الغرض من ارتياد المكتبة هو الاطلاع فقط، مع عدم جواز القراءة بغرض اجتياز امتحان معين! ولذلك كانت الخدمة المكتبية العامة في هذه الفترة وقفًا على المفكرين فقط، والذين لديهم معرفة بالكتب، أي الذين يستطيعون تحديد ما يرغبون في قراءته دون مساعدة كبيرة من أمين المكتبة.
    ومع بداية عصر النهضة في أوروبا بدأ أول نداء للاهتمام بالمكتبات العامة على يد «مارثن لوثر»، الذي اعتبرها ضرورية للتعليم، نظرًا لزيادة أعداد المدارس وزيادة الاهتمام بمحو الأمية، وظهور حركات الإصلاح المختلفة، ونداءات الحرية والتقدم والنهضة الثقافية والفكرية. وبذلك تغيرت وظيفة أمين المكتبة من مجرد جمع وحفظ مواد المكتبية، إلى تشجيع استخدامها بلا قيود أو عقبات. ولذلك ابتكر المكتبيون عمليات فنية مساعدة للمستفيدين على استخدام المواد المكتبية وتشجيعهم على ارتيادها، وإرشادهم إلى المواد المناسبة لهم، ومن ثم تحول أمين المكتبة من مجرد حارس لها إلى مشجع للتردد على المكتبة والاستفادة منها.
   ومع تطور المكتبات العامة، وتعدد وظائف العاملين بها، استلزم الأمر تغيير طريقة اختيار العاملين بالمكتبات، فلم يعد العالم أو المفكر أو المحب للقراءة قادرًا على استيعاب متطلبات المستفيدين، وتنظيم المكتبة بطريقة مناسبة لتسهيل استخدام موادها. ولذلك بدأت مرحلة تأهيل العاملين بالمكتبات، وتخريج أجيال جديدة من مدارس وأقسام وكليات ركزت دراساتها على المكتبات وطريقة تنظيمها وخدماتها، وفي نفس الوقت نشطت أبحاث المكتبات والقراءة وخدمات المستفيدين، ومواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة.
   لقد كانت بداية الدعوة لإنشاء معاهد متخصصة في المكتبات في «ميونخ» بألمانيا سنة 1829م لتوفير العناصر المناسبة لتقديم الخدمات المكتبية المناسبة، وبدأ أساتذة الجامعات في هذه الفترة في الاهتمام بالمهنة الوليدة، حيث تم تكثيف الدعوة لتدريب المكتبيين في ألمانيا منذ عام 1887م، بخاصة بعد أن وضع أمين مكتبة إحدى الجامعات الألمانية برنامجًا دراسيًا جامعيًا لمدة ثلاث سنوات في علم المكتبات عام 1874م، كما قامت جامعة جوتنجن بإنشاء كرسيًا للأستاذية في علم المكتبات عام 1886م. وفي الولايات المتحدة كان قد نجح رجال المكتبات الأوائل في إنشاء الجمعية الأمريكية للمكتبات «ALA» عام 1876م والتي تعد أقدم مؤسسة مهنية في تخصص المكتبات على مستوى العالم، ثم جاء عام 1887م ليتوج هذه الجهود بظهور أول دراسة رسمية لتدريس المكتبات بجامعة كولومبيا بنيويورك بفضل جهود «ملفيل ديوي» عالم المكتبات الشهير، صاحب أشهر تصنيف لأوعية المكتبات التي عرف باسمه (تصنيف ديوي العشري)، والذي قال يوم افتتاح الدراسة الرسمية للمكتبات: «جاء الوقت أخيرًا لنقول بأن المكتبي يحتل مهنة».
    وبعد أن كانت المكتبات تقتصر خدماتها على الكبار جاء عام 1890م ببدء أمناء المكتبات في فتح مكتباتهم أمام الأطفال بجانب الكبار، واهتموا بتزويد مكتباتهم بالمواد المناسبة لهم، حتى أصبحت في أوائل القرن العشرين الكتب التي تعار للأطفال في الكثير من المكتبات تمثل ثلث مجموع الكتب التي تعار للكبار! وبعد أن كانت كتب الأطفال تمثل رفًا بين كتب الكبار، أصبحت تمثل ركنًا بالمكتبة أو قسمًا خاصًا بهم، بل منفصلاً في الكثير من الأحيان، ليضم بجانب المواد المكتبية وسائل الترفيه المختلفة من ألعاب ورسم وموسيقى. ومن ثم يصبح للأطفال مطلق الحرية في قسمهم الخاص، ولا يعترض عليهم الكبار لارتفاع أصواتهم أو كثرة حركاتهم، كما تم اختيار من يعمل بهذا القسم إلى جانب تخصصه في المكتبات أن يكون متخصصًا في كيفية التعامل مع الأطفال، وعلم نفس الطفولة.
    وإذا انتقلنا إلى العالم العربي نجد أن البداية الأولى لتأهيل العاملين بالمكتبات كانت من مصر، ففي منتصف القرن العشرين تم إنشاء معهد الوثائق والمكتبات بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، والذي تحول إلى قسم المكتبات بكلية الآداب بعد ذلك، ثم أنشئت العديد من أقسام المكتبات في جامعات مصر المختلفة، وبذلك أصبح خريجو هذه الأقسام قادرين ومؤهلين لتنظيم وإدارة المكتبات وتقديم الخدمات المكتبية بصورة مناسبة، ثم أخذت الجامعات العربية في إنشاء أقسام دراسات المكتبات منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، حتى أصبحت دراسة المكتبات واحدة من أبرز الدراسات بمعظم الدول العربية.
   وفي الحلقة الدراسية التي عقدت ببيروت عام 1959م تحددت وظائف المكتبات العامة، وتطورت بناء عليها وظيفة أمين المكتبة من تنظيم المواد المكتبية وإرشاد القراء إليها، إلى الكثير من الوظائف، كالمساهمة في حملات محو الأمية وتعليم الأطفال والكبار، وكذلك تقديم الخدمات المرجعية المختلفة، واستخدام المواد السمعية والبصرية في مساعدة الأميين، وعدم اقتصار مقتنيات المكتبات على الكتب، وتنويعها لتشمل أشكال المواد المكتبية الأخرى. كما بدأت مدارس وأقسام المكتبات في العالم في تدريب خريجيها على القيام بهذه الوظائف المختلفة، حتى يصبحوا على دراية كافية بهذه الوظائف والخدمات.
    وجاء عام 1971م ليعلن بدء تقديم الخدمات المكتبية للفئات الخاصة من فاقدي السمع أو البصر والمرضى ونزلاء السجون والمستشفيات وسكان المناطق النائية، وذلك تحقيقًا للمساواة بين الجميع. فالمعرفة والقراءة حق للجميع. ولذلك بدأت المكتبات في اقتناء المواد المكتبية الخاصة بالفئات الخاصة مثل الكتب الناطقة، والكتب المكتوبة بطريقة برايل. كما تم توفير العاملين المؤهلين للتعامل مع هذه الفئات، وتقديم الخدمات المكتبية لهم، وبدأت المكتبات المتنقلة والمحمولة تصل بالخدمات المكتبية للمناطق النائية، إلى جانب إقامة المكتبات بالمستشفيات والسجون لتوفير خدمات القراءة والاطلاع للنزلاء، مع التركيز على المواد التي ترفع من معنوياتهم، وتحثهم على القيم والأخلاق النبيلة، والمشاركة في بناء وإصلاح المجتمع.
   وفي العام التالي ظهر إعلان اليونسكو للمكتبات العامة الذي حدد معالمها المختلفة، والتي منها دور العاملين بها. ثم جاء عام 1973م بمعايير المكتبات العامة التي وضعها الاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات «FILA»، والتي حددت المهام المختلفة لأمين المكتبة، وعدلت بعد ذلك عام 1977م بإدخال الكثير من التعديلات عليها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت عدة تعليمات وخطوط إرشادية حول المكتبات العامة ووظائف العاملين بها عام 1986م، وذلك لمواكبة التطورات التي تطرأ على تقنيات المعلومات والمكتبات، كظهور الحاسب الآلي واستخدامه بالمكتبات.
   كما تعد هذه الخطوط الإرشادية بديلاً عن المعايير التي وجد من الصعب تطبيقها في كل مكان، نظرًا لاختلاف إمكانيات المكتبات من دولة إلى أخرى.
   ومع ظهور شبكة الإنترنت واستخدامها بالمكتبات، طرأت تطورات عديدة على المكتبات العامة، حيث تعددت أقسامها، وكثر العاملون بها، وتم تقسيم العمل بينهم. كما ظهرت العديد من الوظائف الجديدة، كاختصاصي المعلومات، واختصاصي الموضوعات، واختصاصي قسم الأطفال، إلى غير ذلك من الوظائف والمهام المكتبية.
   وبذلك بدأ يختفي أمين المكتبة الشامل الذي يقوم بجميع المهام المكتبية في معظم المكتبات العامة، بخاصة الكبيرة منها، وبدأ يظهر اختصاصي التزويد، واختصاصي الإعداد الفني للمواد المكتبية، واختصاصي خدمات الإعارة والاطلاع الداخلي، واختصاصي قسم الأطفال، واختصاصي قسم الشباب، واختصاصي الفئات الخاصة، واختصاصي قسم الأوعية غير المطبوعة، واختصاصي المعلومات والإنترنت، والاختصاصي الموضوعي.
   هذا هو اختصاصي المكتبة، الذي استطاع أن يحول مهنته من مجرد الجمع والحفظ إلى تقديم الاستشارات المختلفة للمترددين على المكتبة. إنه الجندي المجهول خلف جهود العلماء والباحثين، إنه الذي جعل للمكتبة دورًا وقيمة، إنه بحق يستحق أن ينعت بأنه «دينمو المعرفة».

المصادر
1- عبدالستار الحلوجي، لمحات من تاريخ الكتب والمكتبات. القاهرة: دار الثقافة، 1991.
2- محمد فتحي عبدالهادي، دراسات في الإعداد المهني والببليوجرافيا والمعلومات. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1980.
3- أحمد علي تاج، تخطيط الخدمة المكتبية العامة بمحافظة الشرقية, إشراف: محمد فتحي عبدالهادي. القاهرة: أ.تاج، 1990. (أطروحة دكتوراه). جامعة القاهرة ـ كلية الآداب. قسم المكتبات. ص31-35.
4- حشمت قاسم، مدخل لدراسة المكتبات والمعلومات. القاهرة: مكتبة غريب، 1990.
5- سعد الهجرسي, المكتبات والمعلومات بالمدارس والكليات. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1993.
6- IFLA.Gudelines for public libraries.- N.Y: K.G Saur, 1986.
7- Revision of IFLA's Guidelines for public Libraries.- Accessed (May. 2005).- Available at: http://www.ifla.org/IV/ifla61/sed&94.htm

رسالة من القلب

تعد مهنة المكتبات من أنبل المهن ، فهى قلب كل المهن ، وأساس كل تقدم ، فالكل يحتاج إلى المكتبة ، وكلما زاد الإقبال على المكتبات وعلى القراءة ، كلما زاد التقدم والرقى فى المجتمع كله ، ومن ثم تغيرت السلوكيات إلى الأفضل ، وساد التعاون والنظام فى المجتمع ، وصدق فولتير حين قال : " إذا أردت أن تقضى على حضارة ، فانزع الكتب والقراءة من بين يدى أبنائها " ، أى اجعلهم فى تخلف وكراهية لها .
     وعندما كان إخصائى المكتبة هو محور نجاح المكتبة ، وليس مقتنياتها فقط ، فقد كان الاهتمام ببنائه وإعداده من أجل تحمل هذه المسئولية ، وحمل أعباء إدارة المكتبة وتجهيزها وتقديم خدماتها المختلفة لكل من يقصدها ، وفى حواراتنا المقبلة سوف نتعرف على الكثير من الجوانب الهامة فى إعداد إخصائى المكتبة بأفضل صورة ، والله من وراء القصد وهو الهادى إلى سواء السبيل . 

                                                                            د. نصار رمضان 

بسم الله وعلى بركة الله نفتتح مدونتنا المتخصصة في مجالات:
المكتبات.
المعلومات.
التربية.
مع خالص تحياتى